القاضي عبد الجبار الهمذاني

547

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بيان ما يلزم من العوض بقطع الآجال وإزالة الأملاك قد بينا من قبل أن أجل المرء هو وقت الموت ، وأنه متى قيل في الحي إنه قطع أجله فهو على ضرب من التقدير والمجاز ، وبينا أنه لا يمتنع مع ذلك في القادر أن يقتل من لولا قتله لكان يعيش مدة من الزمان . وإذا صح ذلك ، فالواحد منا إذا قتل من هذا حاله ، صار قاطعا له بهذا القتل عن ضروب من المنافع لا يكون قاطعا عن مثلها بقتل من المعلوم أنه لولا قتله لكان يموت لا محالة . فلا يمتنع أن يقال في هذا القتيل إنه يستحق به « 1 » من العوض أكثر مما يستحق بذلك القتل ؛ لأنه مع القتل قد قطع عنه منافع كانت معلومة فزالت بالقتل ، فيصير حال هذا القاتل كحال من يمنع غيره من تجارة ونيل منفعة تحبس لأجله ؛ لأن عوضه أكثر من عوض من أمسكه وآلمه من غير أن يفوته « 2 » بذلك ما ذكرناه . وقد بينا فيما تقدّم أن ما يجرى مجرى الضرر لا معتبر في وجوب العوض فيه بالمعرفة والعلم ؛ فسواء علم المقتول أو لم يعلم ، فالحال لا تتغير . فإن قال : أفليس ذلك يوجب استحقاق العوض لا بضرر ولا غم ؟ قيل له : إن تفويت النفع الّذي قد علم أنه يحصل بمنزلة المضرة ؛ وإذا أوجبنا العوض بالقتل وهو ضرر ، لكنا حكمنا بزيادة العوض فيه إذا كان يقطعه عن المنافع ؛ لأنه نفع أعظم في كونه مضرة ، فلا سؤال علينا في ذلك . فإن قال : فلو أنه تعالى أمات زيدا من غير ألم لكنتم توجبون عليه العوض .

--> ( 1 ) أي بالقتل . ( 2 ) في الأصل فوته .